العلاج القصير المركّز على الحلول في المدرسة المغربية: مدخل إنساني لتعزيز المعنى والتمكين النفسي للتلميذ

في عالم العلاج النفسي، ظهر اتجاه جديد يركز على الحلول بدلاً من التركيز على المشاكل، وهو ما يُعرف بـ العلاج القصير المركّز على الحلول .هذا النهج يهدف إلى مساعدة الأفراد على استكشاف قدراتهم ومواردهم الداخلية لبناء مستقبل أفضل، من خلال التركيز على الأهداف المرجوة وتطوير استراتيجيات لتحقيقها، بدل الانشغال بالتفصيل في جذور المشكلات.

في السياق المغربي، حيث يتعامل الناس مع تحديات اجتماعية ونفسية متعددة مثل البطالة، الضغوط العائلية، وقضايا الهوية الثقافية، يأتي هذا النوع من العلاج كأداة فعالة وقريبة من الواقع. يُمكن للمعالجين النفسيين المغاربة اعتماد هذا المنهج لتقديم دعم سريع وفعّال، يراعي خصوصيات المجتمع المغربي ويعزز قدرة الأفراد على تجاوز أزمات حياتهم بطريقة إيجابية وبناءة، مع احترام القيم والعادات المحلية.

 يُعدّ العلاج القصير المركّز على الحلول  منهجًا علاجيًا ديناميكيًا وموجهًا نحو المستقبل، يهدف إلى تمكين الأفراد من اكتشاف وبناء الحلول لمشاكلهم، بدلًا من الغوص في تحليل أسباب تلك المشاكل. ينطلق هذا العلاج من مبدأ أن الأشخاص يمتلكون بالفعل الموارد والمهارات اللازمة للتغلب على تحدياتهم، وأن دور المعالج يكمن في مساعدة العميل على تحديد نقاط قوته واستخدامها بفعالية. بدلًا من التركيز على ما هو “خطأ”، يتوجه SFBT نحو تحديد ما يعمل بشكل جيد، وتوسيع نطاق النجاحات الصغيرة، وتوجيه الحوار نحو الأهداف الملموسة والمستقبل المرجو. من خلال تقنيات مثل “سؤال المعجزة” الذي يدعو التلميذ لتصور مستقبل خالٍ من

المشاكل

. ظهر العلاج القصير المركّز على الحلول في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين على يد عالمين نفسيين أمريكيين هما ستيف دي شفارتز (Steve de Shazer) وإنسو ديك (Insoo Kim Berg)، في مركز العلاج العائلي في مدينة ميلووكي بالولايات المتحدة..

تطور هذا النهج كرد فعل على الطرق التقليدية التي كانت تركز بشكل كبير على تحليل المشكلات والأسباب العميقة للسلوكيات، حيث قدم بدلاً من ذلك تركيزاً عملياً على إيجاد الحلول واستخدام نقاط القوة والموارد الموجودة لدى الأفراد

الفرق بين العلاج التقليدي و العلاج القصير المركز على الحلول

العلاج القصير المركّز على الحلول (SFBT)العلاج التحليلي التقليدي
يركز على المستقبل والحلول.يركز على الماضي وجذور المشكلة.
قصير المدى (أسابيع أو أشهر).طويل المدى (شهور أو سنوات).
العميل هو “الخبير”.المعالج هو “الخبير”.

.

مع مرور الوقت، انتشر العلاج القصير المركّز على الحلول ليصبح من أكثر الأساليب شعبية في العلاج النفسي والإرشاد، وذلك بسبب بساطته وفعاليته في تحقيق نتائج ملموسة في وقت قصير، كما تم تطبيقه في مجالات متنوعة مثل العمل الاجتماعي، التعليم، والإرشاد الأسري.

يعتبر العلاج القصير المدى المركز على الحلول من الأساليب الحديثة والفعالة في مجال العلاج النفسي، وله أهمية خاصة في الغرب الذي يواجه فيه الأفراد تحديات نفسية واجتماعية متعددة مثل الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الاجتماعية السريعة. يتميز هذا النوع من العلاج بتركيزه على الحلول والموارد الذاتية للفرد بدلاً من التركيز على المشكلات، مما يسمح بتحقيق نتائج إيجابية في وقت قصير. كما أنه يتوافق مع القيم الثقافية المغربية التي تعزز الصمود والتعاون الأسري، ويساعد على تمكين الأفراد من مواجهة صعوباتهم النفسية بشكل مستقل، مع تقليل الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية. لذلك، يشكل العلاج القصير المركّز على الحلول خيارًا ملائمًا وفعالًا لدعم الصحة النفسية في المغرب.

تقوم فلسفة العلاج القصير المركّز على الحلول على فكرة أن التركيز على الحلول والأهداف المستقبلية أكثر فاعلية من التركيز على تحليل المشاكل والأسباب الماضية. يفترض هذا النهج أن الأفراد يمتلكون في داخلهم الموارد والقدرات اللازمة لإحداث التغيير الإيجابي في حياتهم، وأن دور المعالج هو مساعدتهم على اكتشاف هذه الموارد واستخدامها بفعالية.

يعتمد العلاج على مبادئ عدة، منها أن التغيير ممكن في أي وقت، وأن التركيز على ما يعمل بالفعل في حياة العميل (حتى لو كان قليلاً) يمكن أن يساعد في توسيع هذه النجاحات. كما يشجع العلاج على تحديد أهداف واضحة ومحددة، والعمل على تحقيقها خطوة بخطوة.

هذا النهج مستند إلى نظريات التعلم الاجتماعي، حيث يتم تعزيز السلوكيات الإيجابية عن طريق التركيز على النجاحات والقدرات، ويُظهر الاحترام الكامل لخبرة العميل الشخصية، مع بناء علاقة تعاونية بين المعالج والعميل لتحقيق التغيير المرجو

يمكن تلخيص الفلسفة والأسس النظرية  فب النقط التالية  

البنائية الاجتماعية (Social Constructionism):

هذا هو الركيزة الأساسية لـ SFBT. تفترض البنائية الاجتماعية أن الواقع، بما في ذلك المشاكل والحلول، ليس حقيقة موضوعية موجودة بشكل مستقل، بل هو “يُبنى” من خلال اللغة والتفاعلات الاجتماعية والقصص التي نرويها لأنفسنا وللآخرين. المشاكل ليست كيانات مادية، بل هي وصف أو سرد للحياة يعيق التقدم. إذا كان الواقع مبنيًا، فيمكن إعادة بنائه. يعمل على تغيير السرد الذي يرويه الأفراد عن مشاكلهم وحياتهم. من خلال تغيير اللغة والتركيز على الاستثناءات والحلول، يمكن للأفراد بناء واقع جديد وأكثر إيجابية لأنفسهم. المشكلة لا تختفي، بل تصبح غير ذات صدًى أو يتم التعامل معها بطريقة مختلفة.

لا حاجة لفهم أسباب المشكلة لحلها:

على عكس العديد من المناهج العلاجية التي تركز على البحث عن جذور المشكلة في الماضي (مثل العلاج النفسي الديناميكي)، يفترض SFBT أنه ليس ضروريًا فهم سبب نشأة المشكلة لحلها. معرفة “لماذا” قد تكون مثيرة للاهتمام، لكنها غالبًا ما تكون غير مفيدة لتحقيق التغيير.

يوجه المعالج الجلسة نحو “ما هو ممكن؟” و”ماذا سيعمل؟” بدلًا من “ما الذي تسبب في ذلك؟”. هذا يحرر الأفراد من الانغماس في الماضي ويشجعهم على التركيز على الخطوات العملية نحو المستقبل.

التركيز على الحلول والاستثناءات:

يفترض SFBT أن كل فرد لديه القدرة على حل مشاكله. ويركز على اللحظات التي لا تكون فيها المشكلة موجودة أو تكون أقل حدة (الاستثناءات)، لأن هذه اللحظات تحتوي على مفاتيح الحلول التي طبقها الفرد بالفعل (ربما دون وعي). يسأل المعالج أسئلة مثل “متى كانت المشكلة أقل سوءًا؟” أو “ماذا فعلت في ذلك الوقت لجعل الأمور أفضل؟” من خلال استكشاف هذه الاستثناءات، يمكن للأفراد التعرف على نقاط قوتهم ومهاراتهم ونجاحاتهم، وتعميمها على المواقف الأخرى.

اللغة الموجهة نحو المستقبل والأهداف:

يركز SFBT بشكل كبير على ما يريده الأفراد في المستقبل، وليس على ما حدث في الماضي. الأهداف تُصاغ بشكل إيجابي ومحدد وواقعي. أدوات مثل “سؤال المعجزة” و”أسئلة التدريج” تهدف إلى مساعدة الأفراد على تصور مستقبلهم المرغوب وتحديد الخطوات الصغيرة التي يمكن اتخاذها لتحقيق ذلك. هذا يخلق إحساسًا بالأمل والدافع للتغيير.

المعالج كـ “متعاون” أو “ميسّر“:

لا ينظر SFBT إلى المعالج كسلطة عليا أو “خبير” يمتلك الحلول، بل كمتعاون وميسّر يساعد العميل على اكتشاف حلوله الخاصة.

التطبيق في SFBT: يُستخدم أسلوب طرح الأسئلة المفتوحة والمحفزة، والإنصات النشط، وتقديم الثناء لتعزيز قدرات العميل ودعمه في رحلته نحو التغيير. المعالج لا يقدم نصائح مباشرة، بل يساعد العميل على صياغة حلوله.

التغيير أمر حتمي ومستمر:

:يفترض SFBT أن التغيير جزء طبيعي من الحياة. حتى لو كانت المشكلة تبدو مستمرة، فإن هناك دائمًا درجة من التغير تحدث.

: يركز العلاج على ملاحظة أي تغييرات صغيرة، حتى لو كانت تبدو غير ذات أهمية. الاحتفال بهذه التغييرات يعززها ويشجع على المزيد من التقدم.

باختصار، يمثل SFBT نقلة نوعية في التفكير العلاجي، حيث يتحول التركيز من “ما الخطأ؟” إلى “ماذا يعمل؟” ومن “لماذا حدث ذلك؟” إلى “ماذا يمكننا أن نفعل؟”. هذه الفلسفة البنائية والموجهة نحو الحلول هي التي تمنح SFBT قوته وفعاليته كنموذج علاجي موجز ومؤثر.

تُعد المبادئ الأساسية للعلاج القصير المركّز على الحلول (Solution-Focused Brief Therapy – SFBT) حجر الأساس في فعاليته داخل الوسط المدرسي، حيث يُركّز هذا النهج العلاجي على استكشاف الحلول بدلاً من تحليل المشكلات، وينطلق من إيمان عميق بأن كل تلميذ يمتلك موارد داخلية وقدرة على التغيير الإيجابي، مهما كانت التحديات التي يواجهها. من بين هذه المبادئ، نجد أهمية تحديد أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، وتشجيع التلميذ على استحضار النجاحات السابقة، حتى لو كانت بسيطة، والبناء عليها لتعزيز ثقته بنفسه. كما يعتمد هذا النموذج على لغة إيجابية مشجّعة، تُحفّز التلميذ على التفكير في ما هو ممكن، بدلاً من التركيز على العوائق فقط.

في هذا السياق، يلعب الأخصائي الاجتماعي المدرسي دورًا محوريًا في تنزيل هذه المبادئ على أرض الواقع، من خلال لقاءات فردية مع التلاميذ أو أنشطة دعم جماعي. يعمل الأخصائي على تيسير الحوار بأسلوب قائم على الإنصات الفعّال وطرح أسئلة بنّاءة مثل: “ما الذي ينجح الآن في حياتك؟” أو “ماذا سيبدو عليه يوم دراسي جيد بالنسبة لك؟”، وهو بذلك يوجّه التلميذ نحو بناء حلول عملية من واقعه، مع تعزيز الأمل والتمكين. إن هذا النهج يُمكّن الأخصائي من تقديم دعم نفسي واجتماعي فعّال، يُسهم في تحسين التكيف المدرسي، والحدّ من مشكلات السلوك، وتشجيع بيئة تعليمية إيجابية قائمة على الاحترام والاحتمالات المفتوحة.

يمرّ العلاج القصير المركّز على الحلول بعدّة مراحل مرنة وبسيطة، تهدف إلى توجيه المستفيد نحو بناء حلول واقعية انطلاقًا من قدراته الشخصية. أولى هذه الخطوات تبدأ بـ بناء علاقة إيجابية تقوم على الثقة والاحترام المتبادل بين المختص  الاجتماعي والتلميذ. بعدها، يتم تحديد الهدف بدقة، وذلك عبر سؤال التلميذ عمّا يريد تحقيقه، بصيغة إيجابية وواضحة.

في المرحلة التالية، يُركّز المختص  على اكتشاف النجاحات والاستثناءات، أي الأوقات التي لم تكن فيها المشكلة حاضرة أو كانت أقل حدة، ويستخرج منها نقاط القوة. ثم تأتي مرحلة تقييم التقدّم، حيث يُستخدم مقياس رقمي بسيط (من 0 إلى 10) ليساعد التلميذ على إدراك مدى تطوره، وما الذي يمكن فعله للانتقال إلى مستوى أعلى.

وأخيرًا، يعمل المختص  مع التلميذ على بناء خطة عمل واقعية ومبسطة، تعتمد على خطوات صغيرة يمكن تطبيقها في الحياة المدرسية أو الأسرية. كل هذه المراحل تتم في وقت وجيز، مما يجعل هذا النموذج مناسبًا بشكل كبير للفضاء المدرسي، حيث يُواجه المختص الاجتماعي  ضغوطًا زمنية وكثرة الحالات.

من خلال هذه الخطوات، يستطيع المختص  الاجتماعي المدرسي تقديم دعم فعال للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات نفسية أو سلوكية، دون الحاجة إلى الغوص في الماضي أو تفاصيل المشاكل، مما يسهم في خلق مناخ مدرسي داعم ومشجع على التغيير الإيجابي.

أدوات وتقنيات في العلاج القصير المركّز على الحلول  

يعتمد العلاج القصير المركّز على الحلول على مجموعة من الأدوات والتقنيات العملية التي تساعد على تحفيز التفكير الإيجابي وبناء الحلول انطلاقًا من إمكانيات الفرد. من أبرز هذه التقنيات نجد:

  1. سؤال المعجزة: وهي تقنية خيالية تحفّز المستفيد على تصور واقع أفضل. يُسأل التلميذ مثلًا: تخيل أنه أثناء نومك، حُلّت كل مشاكلك، ما الذي سيجعلك تلاحظ ذلك عند استيقاظك؟ هذا السؤال يساعد التلميذ على تصور الهدف بوضوح
  2. الأسئلة التدرجية : يُطلب من التلميذ تقييم حالته أو تقدّمه على مقياس من 0 إلى 10، لتحديد موقعه الحالي وتحفيزه على التفكير في الخطوة القادمة نحو التحسن
  3. استكشاف النجاحات السابقة: تُستخدم لاكتشاف لحظات سابقة استطاع فيها التلميذ التعامل مع الموقف بشكل أفضل، مما يُظهر له أنه قادر على التغيير
  4. التركيز على الموارد: يُشجَّع التلميذ على استحضار مهاراته، الدعم الاجتماعي، أو أي عناصر تساعده على التقدّم
  5. صياغة الأهداف بشكل إيجابي ومحدد: بدل “أريد أن أتوقف عن الفشل”، يُشجَّع التلميذ على قول: “أريد أن أبدأ في تنظيم وقتي أكثر لتحقيق النجاح”

تُعتبر هذه الأدوات بالغة الأهمية، حيث يستعملها المختص الاجتماعي المدرسي خلال جلسات الدعم النفسي أو التوجيه الفردي مع التلاميذ. فهي تُساعد على تجاوز الشعور بالعجز، وبناء الثقة في النفس، وتحقيق تغييرات ملموسة رغم محدودية الوقت أو الظروف. وبهذا، تصبح التقنيات البسيطة والموجّهة جزءاً من عمل يومي فعال يسهم في تحسين الصحة النفسية داخل المؤسسات التعليمية.

التعامل مع الوصمة وتقليل المقاومة:

في العديد من المجتمعات، بما في ذلك المغرب، قد يتردد الأفراد في طلب المساعدة بسبب الوصمة المرتبطة بـ “المشكلات” أو “الاضطرابات النفسية”.

نهج غير وصمي: SFBT يبتعد عن التصنيفات والتشخيصات التي قد تزيد من وصمة العار. هذا النهج يقلل من مقاومة العميل للمساعدة لأنه يركز على “بناء حياة أفضل” بدلاً من “علاج مرض”.

التركيز على الكفاءة: يرى العميل  (كارل روجرز) نفسه كشخص قادر على إحداث التغيير، مما يعزز ثقته بنفسه واستعداده للتعاون مع المختص الاجتماعي.

يتميّز العلاج القصير المركّز على الحلول بعدة مزايا تجعله مناسبًا جدًا للاستعمال داخل المؤسسات التعليمية والمجتمعية، أولى هذه المزايا هي فعالية الوقت وقصر مدة العلاج، حيث يعتمد هذا النهج على جلسات محدودة وقصيرة المدى، مما يجعله ملائمًا لمختصيين الاجتماعيين  الذين يشتغلون مع عدد كبير من التلاميذ في وقت محدود.

كما يتميّز هذا النموذج بتركيزه على الإيجابية والقدرات، إذ يُوجّه المستفيد نحو اكتشاف نقاط القوة والنجاحات السابقة، بدل الغوص في الماضي أو التركيز على الأعراض والمشاكل. هذا يعزز الثقة بالنفس والشعور بالأمل، ويُساعد التلميذ على رؤية نفسه كجزء من الحل، لا كضحية للمشكلة.

ومن أهم مزاياه أيضًا سهولة التكيّف مع مختلف الفئات والأعمار، حيث يمكن تطبيق تقنياته مع الأطفال، المراهقين، والبالغين، وباختلاف الخلفيات الاجتماعية والثقافيةذ. يُعتبر هذا العلاج مدخلًا فعالًا يمكن لمختص  الاجتماعي استخدامه في دعم التلاميذ الذين يعانون من صعوبات نفسية، سلوكية، أو اجتماعية، بطريقة بسيطة، تحفيزية، ومراعية للخصوصيات الثقافية.

رغم الفوائد العديدة التي يقدمها العلاج القصير المركّز على الحلول، إلا أنه لا يخلو من بعض التحديات والانتقادات التي يجب أخذها بعين الاعتبار، خاصة عند تطبيقه في السياقات التعليمية والاجتماعية. من أبرز هذه التحديات التساؤل حول ما إذا كان  SFBT يصلح لكل الحالات؛ إذ أن هذا النهج لا يناسب بعض الحالات المعقدة أو المزمنة التي تتطلب تحليلاً عميقًا للجذور النفسية للمشكلة مثل الصدمات النفسية أو الاضطرابات الشخصية.

كما يؤخذ عليه محدودية تركيزه على الأعراض، حيث يفضّل تجاوز الماضي والتركيز على الحلول فقط، مما قد يُفقد بعض الحالات فرصة لفهم السبب الحقيقي وراء معاناتهم، وهو عنصر مهم في بعض السياقات العلاجية. ومن بين التحديات العملية أيضًا، أن هذا النوع من العلاج يتطلب مهارة عالية من المختص الاجتماعي، خصوصًا في صياغة الأسئلة، قراءة لغة الجسد، والقدرة على توجيه الحوار بشكل مرن وإيجابي دون أن يبدو سطحيًا أو متسرعًا.

في السياق المدرس المغربية، يواجه المختص  الاجتماعي تحديات إضافية تتعلق بكثرة الحالات، ضعف الموارد، وتعدد الخلفيات الثقافية للتلاميذ، مما يتطلب تكوينًا جيدًا ومتابعة مستمرة لاكتساب الكفاءة الكافية لتطبيق هذا النموذج بشكل فعّال وآمن.

في زمن يتكاثر فيه الضجيج داخل أسوار المدرسة، وتتكاثف الضغوطات على كاهل التلاميذ، يبرز العلاج القصير المركّز على الحلول كنفَسٍ إنساني عميق، يُنصت لما هو مُضيء داخل الإنسان، لا لما هو مكسور فقط. إنّه دعوة لأن نُصغي لنبض الحياة في قلوب التلاميذ، وأن نعاملهم لا كحالات تحتاج إلى إصلاح، بل ككائنات تبحث عن معنى، عن مكان، عن أمل.

ضمن المرجعية الإنسانية الوجودية، يصبح التلميذ ليس فقط متلقيًا للمعرفة، بل كائنًا يُفكّر، يتألم، يطرح الأسئلة، ويحاول أن يخلق توازنًا بين ذاته والعالم من حوله. هنا، لا يعود دور المختص الاجتماعي هو التدخل عند الانهيار، بل الحضور المستمر كبوصلة تُرشد، كعين تُبصر ما لا يُقال، وكيد تُمسك بالأمل وتقدّمه بلغة بسيطة، لكن عميقة.

إن تبنّي منهج SFBT داخل المدرسة المغربية هو أكثر من مجرد تقنية علاجية، إنه اختيار فلسفي وتربوي للوقوف إلى جانب التلميذ في صمته، في مقاومته، في رغبته في أن يكون. وهو نداء مفتوح لكل فاعل تربوي: لنمنح تلامذتنا فرصة ليروا أنفسهم كما لم يروها من قبل — أقوياء، قادرين، وجديرين بالانتماء والأمل.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *