المدرسة المغربية تحت الضغط: عندما يصبح العنف لغة التلاميذ

في السنوات الأخيرة، أصبحت المدرسة المغربية مرآة تعكس تحوّلات اجتماعية عميقة، ليس فقط من خلال المناهج أو البنيات التحتية، بل أيضاً من خلال السلوكات اليومية التي تطبع الحياة المدرسية. وأمام هذا المشهد، يبرز العنف المدرسي كظاهرة مقلقة ومتنامية، إذ لم يعد مقتصراً على مشادات لفظية أو تصرفات عابرة، بل تجاوز ذلك ليصبح وسيلة تواصل لدى بعض التلاميذ، وسلوكاً يعكس توتراً داخلياً ناتجاً عن عوامل متعددة: أسرية، نفسية، تربوية، وحتى مجتمعية.

عندما يتحول القسم، الذي من المفروض أن يكون فضاءً آمناً للتعلّم والتربية، إلى ساحة صراع وصوت العنف يعلو فوق صوت الحوار، تُطرح تساؤلات جوهرية حول مناخ المؤسسة التعليمية، وفعالية التدخلات التربوية، ودور الأطر التربوية والاجتماعية في احتواء هذه النزاعات. فهل نحن أمام أزمة تواصل؟ أم أن المدرسة أصبحت ضحية تراجع قيم الاحترام والانضباط؟ هذا ما سنحاول تفكيكه في هذا لمقال، من خلال الوقوف على أسباب النزاعات المدرسية، أشكالها، وأهم الآليات المقترحة للحد منها.

4oتشكل المدرسة فضاءً أساسياً لتكوين شخصية المتعلم، ليس فقط على المستوى المعرفي، بل أيضاً في ما يتعلق بالقيم، السلوك، والتواصل الاجتماعي. غير أن هذا الفضاء لا يخلو أحياناً من التوترات والصراعات، التي تُعرف بالنزاعات المدرسية. ويُقصد بالنزاع المدرسي كل خلاف أو توتر يحدث داخل الوسط التربوي، سواء بين التلاميذ فيما بينهم، أو بينهم وبين الأطر التربوية، أو حتى داخل الطاقم الإداري والتعليمي. وتتنوع هذه النزاعات من حيث الأسباب والأشكال، وقد تتراوح بين سوء الفهم البسيط إلى مظاهر أكثر حدة كالعنف اللفظي أو الجسدي.

إن فهم النزاعات داخل الوسط المدرسي لا يُعدّ ترفاً تربوياً، بل ضرورة ملحة، لما لها من تأثير مباشر على المناخ التعليمي، وعلى جودة التعلّم وسير العملية التربوية برمّتها. كما أن طريقة تعامل المدرسة مع هذه النزاعات قد تُكرّس السلوك السلبي أو تُساهم في تحويلها إلى فرصة للتعلم والنضج الاجتماعي.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية مركزية تستدعي التأمل والتحليل: لماذا تحدث النزاعات داخل المدرسة المغربية؟ وما طبيعة تأثيرها على المتعلمين والمجتمع المدرسي بشكل عام؟

لنزاع في المدرسة المغربية: وجوه متعددة لصراع داخل فضاء يفترض أن يكون آمناً

في قلب المنظومة التربوية المغربية، تُعدّ المدرسة فضاءً مركزياً لبناء المواطن، وتطوير معارفه ومهاراته وسلوكاته. غير أن هذا الفضاء لا يخلو من التوترات والصراعات التي تُضعف أدواره التربوية والوقائية، وتؤثر على مناخ التعلم وجودته. فالنزاعات المدرسية أضحت ظاهرة ملموسة، تتخذ أشكالاً متعددة، وتطال مختلف الفاعلين في الوسط التربوي. فما هي أبرز أنواع النزاعات التي تعرفها المدرسة المغربية؟

.نزاعات بين التلاميذ

تُعد النزاعات بين التلاميذ من أكثر أشكال الصراع شيوعاً في المؤسسات التعليمية. تتراوح بين أشكال بسيطة كالمشادّات الكلامية، إلى مظاهر مقلقة مثل التنمر والعنف الجسدي. وقد تتطور أحياناً إلى صراعات جماعية بين مجموعات أو “شلل” من التلاميذ، تُغذيها أحياناً مشاعر الغيرة، أو التنافس غير الصحي، أو حتى الانتماءات القبلية والمجالية. هذا النوع من النزاع يُضعف الإحساس بالأمان داخل الفصل، ويؤثر على تحصيل التلاميذ وثقتهم بأنفسهم.

.نزاعات بين التلميذ والأستاذ

تحدث هذه النزاعات غالباً بسبب سوء الفهم أو ضعف التواصل بين الطرفين. فحين يُمارس الأستاذ سلطته دون مراعاة الجوانب النفسية للتلميذ، أو حين يشعر المتعلم بالإقصاء أو الظلم، تتولد توترات قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة. غياب أساليب الإنصات والحوار، واعتماد أساليب عقابية تقليدية، يعمّق الهوة بين الطرفين، ويُهدد العلاقة التربوية التي ينبغي أن تُبنى على الاحترام والثقة المتبادلة. نزاعات بين الأطر التربوية

لا تخلو المؤسسات التعليمية من صراعات بين الأساتذة أو بين الطاقم الإداري والتربوي، وغالباً ما تنبع هذه النزاعات من اختلاف في وجهات النظر حول التدبير، أو بسبب الحساسيات المهنية، أو حتى المنافسة غير الصحية في إطار العمل. ورغم أن هذه النزاعات لا تظهر دائماً للتلاميذ، فإنها تؤثر بشكل كبير على جو المؤسسة، وتُضعف التنسيق والانخراط الجماعي في المشروع التربوي.

. نزاعات بين الأسرة والإدارة التربوية

تحدث هذه النزاعات عندما يشعر أولياء الأمور بعدم إنصاف أبنائهم، أو بعدم استجابة الإدارة لانشغالاتهم. كما قد تنشأ بسبب اختلاف النظرة إلى أدوار كل طرف، حيث تشتكي الإدارة من غياب تواصل فعّال مع الأسرة، في حين تشعر الأسر أحياناً بأن الإدارة تتعامل بتسلط أو غموض. ويؤدي غياب قنوات واضحة للحوار والتشارك إلى تفاقم هذه النزاعات، بما يضر بمصلحة التلميذ أولاً وأخيراً.

تعتبر النزاعات داخل المؤسسات التعليمية من الظواهر التي تؤثر بشكل مباشر على جودة العملية التربوية وبيئة التعلم. وفي ظل تنوع أشكال النزاعات بين التلاميذ، وبين التلاميذ والأساتذة، وكذلك بين أعضاء الطاقم الإداري أو حتى بين الأسرة والإدارة، يظهر دور المختص الاجتماعي كعنصر أساسي في بناء جسر تفاهم وحل مشكلات النزاع بطريقة سلمية وفعالة.

يبدأ المختص الاجتماعي عمله بالاستماع الجيد والمتفهم لجميع الأطراف المعنية بالنزاع. فمهارة الاستماع لا تقتصر فقط على سماع الكلام، بل تعني فهم المشاعر والاحتياجات التي تقف خلف النزاع. من خلال هذا الدور، يكون المختص قادرًا على التقاط جوهر المشكلة وتقديم حلول وسط توافقية تلبي مصالح الجميع. في هذه المرحلة، يعمل المختص كوسيط محايد، يساعد على تخفيف حدة التوتر وإعادة بناء جسور التواصل بين المتنازعين.

بالإضافة إلى الوساطة، يعتمد المختص الاجتماعي تقنيات متخصصة في حل النزاع بطريقة سلمية، مثل التفاوض، الحوار المفتوح، وتقنيات إدارة الغضب، ما يعزز قدرة الأطراف على التعبير عن آرائهم ومشاعرهم بطريقة بناءة بعيدًا عن العنف أو العدوانية. هذه التقنيات تسهم في بناء بيئة مدرسية أكثر أمانًا وهدوءًا، مما ينعكس إيجابيًا على أداء التلاميذ ومردودهم الدراسي.

ولا يقتصر دور المختص الاجتماعي على الجانب التربوي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي، حيث يقدم التوجيه والإرشاد النفسي للتلاميذ والأساتذة على حد سواء. من خلال جلسات الدعم النفسي، يساعد المختص على تخفيف التوتر والقلق الناتج عن النزاعات، ويحفز المتعاملين معه على تبني مواقف إيجابية تسهم في تجاوز المشكلات الشخصية والاجتماعية التي قد تؤدي إلى النزاع.

كما يحرص المختص الاجتماعي على تنظيم أنشطة تعزز التواصل والتسامح بين كافة أفراد الوسط المدرسي. من خلال ورشات عمل وجلسات حوارية وأنشطة تفاعلية، يتم بناء ثقافة التسامح والاحترام المتبادل، مما يقلل من احتمالات وقوع النزاعات ويعزز روح التعاون والانتماء داخل المؤسسة التعليمية.

ف يمكن القول إن المختص الاجتماعي يشكل عاملاً رئيسيًا في إدارة النزاعات داخل المدرسة المغربية، حيث يدمج بين مهارات الاستماع، الوساطة، التوجيه النفسي، وتنظيم الأنشطة التربوية التي تعزز بيئة مدرسية صحية ومستقرة. وهو بذلك يساهم في خلق فضاء تعليمي إيجابي يدعم نجاح التلاميذ ويحفظ حقوق الجميع في بيئة تسودها المحبة والاحترام.

تُعد المدرسة فضاءً اجتماعيًا مركزيًا، حيث تتقاطع فيه علاقات متعددة بين التلاميذ والأساتذة والإدارة وأولياء الأمور، مما يجعلها منابر لتشكيل الهوية الاجتماعية، وبناء القيم، ونقل الثقافة. غير أن هذه المؤسسة لا تخلو من النزاعات التي تعكس صراعات اجتماعية أعمق، مرتبطة بالعلاقات السلطوية، التفاوتات الاجتماعية، والضغوط النفسية التي يعيشها أفراد الوسط المدرسي. ، تتجلى هذه النزاعات من خلال مجموعة من الأشكال مثل التنمر بين التلاميذ، الصراعات بين التلميذ والأستاذ، التوترات بين أعضاء الطاقم الإداري، وأحيانًا صراعات بين الأسرة والإدارة.

حادثة وفاة أستاذة اللغة الفرنسية في أرفود بعد تعرضها لاعتداء جسدي من أحد طلبتها تشكل نموذجًا مأساويًا لهذه النزاعات الاجتماعية التي تتجاوز أبعادها الفردية إلى انعكاسات مؤسسية واجتماعية أوسع. هذا الاعتداء لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي تعيشه المدرسة المغربية، حيث تتقاطع قضايا السلطة، الانضباط، والهوية، وتتشابك مع عوامل مثل الإحساس بالإقصاء، الإحباط الاجتماعي، والضعف في آليات الحماية القانونية والنفسية للأطر التربوية.

يبرز المختص الاجتماعي كفاعل وسيط بين هذه القوى الاجتماعية المتصارعة، معتمدًا على أدوات الوساطة الاجتماعية التي تهدف إلى إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السوية داخل المؤسسة. لا يقتصر دوره على حل النزاعات الفردية بل يتعداها إلى تعزيز التماسك الاجتماعي داخل المدرسة من خلال تحفيز الحوار، بناء الجسور بين الأطراف، وتنظيم أنشطة تربوية ترسخ قيم التسامح والتعايش. كما يساهم المختص في توجيه الدعم النفسي للفئات المتأثرة، معترفًا بأن النزاعات المدرسية ليست فقط نزاعات سلوكية، بل هي انعكاس لصراعات نفسية واجتماعية أوسع.

يمكن اعتبار المدرسة “مسرحًا اجتماعيًا” حيث تتقاطع قوى الهيمنة والمقاومة، ، مما يستدعي مراجعة هياكل السلطة والانضباط داخل المدرسة المغربية، وإعادة النظر في كيفية بناء علاقات أكثر توازناً  يبرز المختص الاجتماعي باعتباره وسيطًا اجتماعيًا حيويًا يُعنى بفك رموز النزاعات وتخفيف التوترات من خلال بناء شبكة من العلاقات الاجتماعية المستدامة. ومن خلال هذا الدور، يسهم في تحويل المدرسة من فضاء نزاع إلى فضاء تكافل اجتماعي، حيث تتكامل الأدوار ويتعاون الجميع من أجل خلق بيئة تعليمية آمنة ومستقرة، تعكس واقعًا اجتماعيًا متطورًا ومتوازنًا.احترامًا بين كل الفاعلين.

تتعدد الأسباب العميقة التي تُغذي النزاعات داخل الفضاء المدرسي المغربي، وتتجاوز في كثير من الأحيان حدود السلوك الفردي لتتجذر في بنيات اجتماعية ونفسية معقدة. فعلى المستوى الاجتماعي، يُعد الفقر، والعنف الأسري، والتفكك العائلي من أبرز المحركات الخفية لسلوكيات عدوانية أو غير متوازنة لدى التلاميذ، حيث تنعكس هذه الأوضاع على علاقاتهم بزملائهم ومدرسيهم، فيتحول الإحباط الاجتماعي إلى ردود فعل عنيفة داخل القسم. أما من الجانب النفسي، فإن اضطرابات مثل القلق، الاكتئاب، والغضب المكبوت، غالبًا ما تبقى غير مشخصة أو غير معالجة، مما يدفع بعض التلاميذ للتعبير عن معاناتهم من خلال سلوكيات تصادمية. ويُضاف إلى ذلك، ضعف مهارات التواصل والإنصات داخل المؤسسة، وغياب ثقافة الحوار، الأمر الذي يُفاقم من حدّة النزاعات، ويمنع حلها بطرق سلمية. ولا يمكن إغفال العوامل الهيكلية، مثل الاكتظاظ داخل الفصول، وقلة الموارد البشرية والمادية، التي تجعل من المدرسة بيئة ضغط مزمنة، تفتقر إلى الشروط اللازمة لبناء علاقات تربوية سليمة. هذه العوامل مجتمعة تُبرز أن النزاعات المدرسية ليست حوادث عرضية، بل تعبير عن اختلالات بنيوية تتطلب تدخلًا شموليًا يُزاوج بين الدعم الاجتماعي والنفسي، والإصلاح التربوي والإداري.

بصفتي مختصًا اجتماعياً مدرسياً، أُدرك تمامًا أن النزاعات داخل الوسط المدرسي ليست مجرد خلافات عابرة، بل هي انعكاس لتراكمات نفسية، اجتماعية، وتربوية تعيشها مكونات المجتمع المدرسي. من هنا، فإن دوري لا يقتصر فقط على التدخل عند حدوث الصراع، بل يبدأ من لحظة ملاحظة التوتر وتفكيك أسبابه.

أول ما أركز عليه هو الاستماع الفعّال، لأن كثيراً من التلاميذ أو حتى الأساتذة يحتاجون فقط لمن ينصت إليهم دون إصدار أحكام. أفتح لهم مجال التعبير عن مشاعرهم ووجهات نظرهم في جو من الثقة. بعد ذلك، أُفعّل آليات الوساطة المدرسية، من خلال خلق مساحات حوارية تسمح لكل طرف بفهم الطرف الآخر، وتجاوز الأحكام المسبقة. أستعمل أدوات متنوعة مثل المقابلات الفردية، جلسات جماعية، أو ورشات تفاعلية، حسب طبيعة النزاع وحدّته. عندما ألاحظ أن جذور النزاع نفسية، مثل القلق، الغضب المكبوت أو الشعور بالإقصاء، أتدخل عبر الإرشاد النفسي والتربوي، سواءً للتلميذ أو للفريق التربوي. أُوجه، أرافق، وأُحيل إذا لزم الأمر إلى مختصين نفسيين آخرين. كما أحرص على تنظيم أنشطة تربوية تحسيسية تعزز ثقافة التسامح والحوار، خاصة في الفصول التي تشهد توترات متكررة. أعمل مع الإدارة والأساتذة على إدماج قيم مثل احترام الآخر، الإنصات، والتعاون في الحياة اليومية المدرسية.لا أنظر إلى النزاع كتهديد بل كفرصة لإعادة بناء العلاقات داخل المؤسسة، ولتربية التلاميذ على أسس المواطنة الإيجابية والتواصل الهادف.

للحد من النزاعات داخل المدرسة المغربية، أقترح، انطلاقاً من موقعي كمختص اجتماعي مدرسي، اعتماد مقاربة شمولية تربط بين الوقاية، التكوين، والتدخل التشاركي. أولاً، ينبغي إدماج برامج التربية على السلوك المدني وثقافة اللاعنف ضمن المقررات والممارسات اليومية داخل المؤسسة، حتى يكتسب التلاميذ مهارات حل النزاع بالطرق السلمية، ويُربَّوا على احترام الآخر وقبول الاختلاف منذ الصغر.

ثانياً، من الضروري تكوين الأطر التربوية والإدارية في مجال التواصل الفعّال، وتقنيات الوساطة المدرسية، وإدارة النزاعات. فغالباً ما تتفاقم التوترات بسبب سوء الفهم أو غياب أدوات التدخل الملائمة.

ثالثاً، أوصي بضرورة خلق فضاءات قارة للحوار داخل المدرسة، كنوادي للتواصل أو خلايا إنصات وتوجيه، تُمكّن التلاميذ من التعبير عن ذواتهم، ومشاركة انشغالاتهم في إطار آمن وبنّاء.

وأخيراً، لا يمكن الحديث عن مدرسة آمنة دون إشراك الأسر والمجتمع المدني في جهود الوقاية من النزاعات، عبر لقاءات دورية، حملات تحسيسية، ومشاريع مشتركة تهدف إلى بناء جسور الثقة والتعاون بين المدرسة وبيئتها الخارجية. بهذه التدخلات المتكاملة، نستطيع أن ننتقل من منطق رد الفعل إلى ثقافة استباق الأزمات، وبناء مدرسة دامجة، عادلة، ومُحصنة ضد العنف.

في ختام هذا المقال، تتجلى المدرسة المغربية العمومية ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كمرآة حقيقية للمجتمع، تعكس تحدياته وآماله، وتختزن في جدرانها نبض الأجيال وصراعاتها. ومع تصاعد مظاهر النزاع داخل الفضاءات التربوية، تبرز الحاجة الملحة لإعادة التفكير في أدوار المدرسة، لتكون حصناً للقيم الإنسانية لا مجرد حجرة لتلقين المعارف.

إن معالجة النزاعات داخل المؤسسات التعليمية لا يجب أن تظل مجرد ردود فعل ظرفية، بل ينبغي أن تتحول إلى رؤية متكاملة، تنطلق من التربية على السلوك المدني واللاعنف، وتُبنى على الحوار والوساطة، وتُغذى بالاستماع، والرعاية النفسية، والدعم الاجتماعي. فالمؤسسة التعليمية ليست فقط مكاناً لتحصيل الدروس، بل ورشة يومية لغرس التسامح، وتعليم التفاهم، وصناعة التعايش.

ولأن المدرسة العمومية هي القلب النابض للتنشئة الاجتماعية، فإن مستقبلها يمر عبر مشروع جماعي تتقاطع فيه جهود الأطر التربوية، والمختصين الاجتماعيين، والأسر، والمجتمع المدني. وحدها هذه الشراكة قادرة على تحويل المدرسة من ساحة توتر إلى حقل خصب للأمل، ومن فضاء صراع إلى أرضية لحوار عادل، حيث ينمو التلميذ في بيئة تحتضنه لا ترهبه، وتفتح له أفقاً للحياة، لا باباً للهروب.

إنها دعوة مفتوحة لنجعل من المدرسة المغربية العمومية صرحاً للسلام، ومشتلاً لقيم الإنسان.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *